يحلل صالح سالم ملامح تقارب إقليمي متسارع بين مصر والسعودية، يتشكّل في ظل تصاعد التهديدات الأمنية والتحولات الجيوسياسية العميقة في المنطقة. ورغم غياب إعلان رسمي عن تحالف صريح، تكشف التحركات المتزامنة في عدة ساحات إقليمية عن تفاهم غير معلن، يقوم على حماية خطوط أمن قومي حمراء، ومنع تفكك الدول العربية في مناطق شديدة الحساسية.

 

ينطلق هذا التقارب في ظل توتر العلاقات بين الرياض وأبوظبي، ما يفتح المجال أمام إعادة رسم اصطفافات إقليمية جديدة. ويشير الكاتب إلى أن القاهرة والرياض تتقاطعان في مقاربة أمنية ترى في تفكك الدول، وظهور الكيانات الموازية، وانتشار الميليشيات المسلحة خارج إطار الجيوش الوطنية، تهديدًا مباشرًا لا يمكن احتواؤه بالبيانات السياسية وحدها.

 

من الخطاب إلى فرض الخطوط الحمراء

 

تنقل العربي الجديد عن مراقبين أن رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي ادعى رفضه القاطع لأي محاولات لتقسيم الدول الإقليمية أو إنشاء كيانات موازية أو ميليشيات تعمل خارج مؤسسات الدولة الشرعية. لكن ما يميز هذا الموقف، وفق التحليل، انتقال القاهرة من مجرد إعلان هذه الخطوط الحمراء إلى فرضها فعليًا على الأرض.

 

ويرى محللون أن مصر بدأت تطبيق سياسة تدخل انتقائي في بؤر الصراع القريبة من حدودها، وعلى رأسها السودان والصومال، عبر دعم مباشر للجيوش الوطنية. ويشرح معلقون سياسيون أن القاهرة تنظر إلى تقوية مؤسسات الدولة، خصوصًا الجيوش، باعتبارها ضرورة استراتيجية لمنع نشوء فراغات أمنية يمكن أن تتحول إلى ملاذات لجماعات متطرفة أو أدوات نفوذ لقوى خارجية.

 

في السودان، تشير تقارير إلى تصعيد مصري استهدف خطوط إمداد قوات الدعم السريع، خاصة القادمة عبر جنوب ليبيا، في إطار منع تفكك الدولة السودانية. وتتزامن هذه التحركات مع مؤشرات على استعدادات عسكرية أوسع، شملت تطوير قواعد جوية قرب الحدود المشتركة، ما يعكس استعدادًا لخيارات أكثر مباشرة إذا اقتضت الضرورة.

 

ساحات التلاقي: السودان واليمن والصومال

 

يعقد الكاتب مقارنة بين السلوك المصري في السودان، والمقاربة السعودية في جنوب اليمن، حيث تتحرك الرياض لاحتواء النزعات الانفصالية التي يمثلها المجلس الانتقالي الجنوبي. ويرى محللون أن الضربات السعودية ضد شحنات أسلحة موجهة لقوى انفصالية تعكس منطقًا مشابهًا لمنطق القاهرة: منع تشكل كيانات مسلحة تهدد وحدة الدولة وتفتح الباب أمام صراعات طويلة الأمد.

 

يمتد هذا التنسيق غير المعلن إلى الصومال، حيث تتقاطع مصالح مصر والسعودية في دعم الحكومة الفيدرالية، ومواجهة تنظيم الشباب، والحيلولة دون تفكك الدولة، خاصة مع تصاعد الحديث عن انفصال أرض الصومال وتنامي علاقاتها مع إسرائيل. ويثير هذا المسار قلقًا إقليميًا متزايدًا من احتمال نشوء وجود عسكري أو بحري إسرائيلي قرب مدخل خليج عدن، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

 

يرى محللون أن هذا التقارب يعكس إدراكًا مشتركًا بأن انهيار الدول في حوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي لا يبقى محصورًا داخل حدودها، بل يهدد أمن الملاحة، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي لمصر والسعودية معًا.

 

موازنة الأمن والاقتصاد في ظل الخلاف مع أبوظبي

 

يضع الكاتب هذا التقارب المصري السعودي في سياق أكثر تعقيدًا، يتمثل في تباين مواقف القاهرة مع أبوظبي في عدة ملفات. ففي اليمن، تدعم الإمارات قوى انفصالية، وفي السودان تواجه اتهامات بدعم قوات الدعم السريع، بينما تثير سياساتها في الصومال شكوكًا بشأن تشجيع نزعات التفكك.

 

لكن هذا التباين يضع مصر أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، تدفعها مصالحها الأمنية، المرتبطة بأمن البحر الأحمر، ومياه النيل، واستقرار حدودها الجنوبية، إلى مواجهة أي مسارات تفكك. ومن جهة أخرى، ترتبط القاهرة بعلاقات اقتصادية عميقة مع أبوظبي، التي تمثل أكبر مستثمر عربي في مصر، وضخت عشرات المليارات في مشروعات استراتيجية كبرى.

 

يرى محللون في القاهرة أن مصر تحاول السير على حبل مشدود، فتدافع عن أولوياتها الأمنية دون الذهاب إلى قطيعة مع الإمارات. ويؤكد مراقبون أن القاهرة نجحت حتى الآن في إدارة هذا التوازن، عبر احتواء الخلافات ومنعها من التحول إلى صدام مفتوح، مع الحفاظ على شراكات اقتصادية حيوية.

 

يخلص التحليل إلى أن العقيدة الأمنية المصرية السعودية الناشئة لا تقوم على تحالف تقليدي معلن، بل على تنسيق عملي، عابر للساحات، هدفه منع تفكك الدول العربية المحيطة، وحماية الممرات البحرية الاستراتيجية، وإغلاق الطريق أمام قوى غير دولية أو أطراف خارجية تسعى لاستثمار الفوضى. وهي عقيدة مرشحة للترسخ أكثر كلما تصاعدت الضغوط الإقليمية والدولية في محيط البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

 

https://www.newarab.com/analysis/shared-threats-making-egypt-saudi-security-doctrine